أوروبا بين مواجهة اليمين المتطرف واليسار الراديكالي في إنتخابات فرنسا 

يونيو 3, 2026 - 10:30
 0  9
أوروبا بين مواجهة اليمين المتطرف واليسار الراديكالي في إنتخابات فرنسا 



تتصاعد المخاوف في الأوساط السياسية الفرنسية والأوروبية من احتمال وصول مرشحين من أقصى اليمين وأقصى اليسار إلى الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية الفرنسية المقررة عام 2027، في سيناريو قد يهمش قوى الوسط التقليدية، وفق "بوليتيكو".

وتُظهر استطلاعات الرأي الأخيرة تقدم جوردان بارديلا، زعيم حزب التجمع الوطني اليميني المتطرف، المناهض للهجرة وتتزعمه مارين لوبان، إلى جانب صعود لافت لزعيم اليسار الراديكالي جان لوك ميلونشون، وهو ما قد يحرم السباق من مرشح وسطي قادر على حشد الناخبين ضد اليمين المتطرف في ثاني أكبر اقتصاد بالاتحاد الأوروبي.

ويستمد ميلونشون جزءاً كبيراً من دعمه من الطبقات العاملة والجاليات المهاجرة، بينما اتهمه منتقدوه بمعاداة السامية. وبينما سيكون وصوله إلى الجولة الثانية إنجازاً كبيراً بالنسبة له، تتوقع معظم الاستطلاعات أن يخسر أمام بارديلا بفارق كبير.

وذكرت "بوليتيكو" أن هذا المشهد الانتخابي بدأ بالفعل يثير قلقاً شديداً داخل معسكر الوسط الفرنسي.

وقال إدوار فيليب، السياسي المحافظ الذي يُنظر إليه على أنه أبرز مرشحي التيار التقليدي للوصول إلى قصر الإليزيه: "يعتقد كثيرون أنه إذا اضطروا للاختيار بين فرنسا الأبية والتجمع الوطني، فسيكون ذلك كابوساً، وأنا أوافقهم الرأي”.

كما حذر جيرالد دارمانان، وزير العدل في عهد الرئيس الليبرالي إيمانويل ماكرون، من أن ميلونشون بات المرشح الأكثر احتمالاً لمواجهة اليمين المتطرف، مضيفاً: "يجب أن تكون معصوب العينين كي لا ترى ذلك".

استطلاعات صادمة

وشهد الأسبوع الماضي استطلاعين للرأي أحدثا صدمة في الأوساط السياسية الفرنسية.

أظهر الاستطلاع الأول، الذي أجرته مؤسسة أودوكسا، أن ميلونشون يتعادل تقريباً مع رئيس الوزراء السابق إدوار فيليب في المركز الثاني خلف بارديلا.

أما الاستطلاع الثاني، الذي أجرته مؤسسة تولونا-هاريس إنترأكتيف، فأظهر أن ميلونشون قد يتأهل إلى جولة الإعادة في مواجهة اليمين المتطرف إذا تعدد المرشحون في معسكر الوسط، بمن فيهم فيليب ورئيس الوزراء السابق الآخر جابرييل أتال.

ومع ذلك، لا توجد حتى الآن أي مؤشرات على أن خطر الإقصاء سيدفع قوى الوسط إلى التوحد خلف مرشح واحد بدلاً من تشتيت الأصوات، ففيليب، المنتمي إلى يمين الوسط، يخوض منافسة حادة مع أتال، ولا يبدو أن أياً منهما مستعد للتراجع.

وقال برونو كوتريس، المحلل السياسي في معهد "سيانس بو": "المنافسة مع جابرييل أتال قد تكون قاتلة".

وأضاف: "إذا لم ينسحب أتال بحلول الخريف، فقد يشجع ذلك أطرافاً أخرى في اليسار على الاعتقاد بأن الوصول إلى الجولة الثانية ضد اليمين المتطرف أصبح ممكناً بالفعل".

عودة قوية

ووفقاً لـ"بوليتيكو"، تمثل هذه النتائج بالنسبة لميلونشون عودة دراماتيكية بعدما اعتبره كثيرون خارج الحسابات السياسية عقب حملته الصدامية في الانتخابات البلدية خلال مارس الماضي.

وتظهر استطلاعات الرأي باستمرار أن السياسي اليساري، البالغ من العمر 74 عاماً، يعد من أكثر الشخصيات السياسية الفرنسية إثارة للرفض والانقسام. لكن ميلونشون حظي بإعجاب متحفظ حتى من خصومه؛ بسبب النشاط الكبير الذي أظهره منذ إعلانه في مايو الترشح للانتخابات الرئاسية.

وفي السابع من يونيو، يخطط أنصاره لتنظيم استعراض قوة خلال تجمع جماهيري في مدينة سان دوني، الضاحية الفقيرة الواقعة شمال باريس، والتي فاز بها حزب "فرنسا الأبية" في الانتخابات المحلية.

وكتب ستانيسلاس ريجو، المتحدث السابق باسم حزب "الاسترداد" اليميني المتطرف بزعامة إريك زمور: "من الصعب عدم الاعتراف بأن ميلونشون ربما فهم أكثر من أي شخص آخر شكل الحملة الرئاسية الحديثة”.

معركة يرحب بها الطرفان

المواجهة المحتملة بين ميلونشون وبارديلا، أو ربما مارين لوبان إذا سُمح لها بالترشح، هي سيناريو يسعى الطرفان إلى تعزيزه. ففي السنوات الأخيرة، كرر ميلونشون القول إن المعركة النهائية ستكون "نحن ضدهم" في مواجهة اليمين المتطرف، مع استمرار تفكك أحزاب الوسط التقليدية.

وفي المقابل، يقول أعضاء في حزب التجمع الوطني إن بارديلا مقتنع بأنه سيواجه ميلونشون أو مرشحاً يسارياً آخر في الجولة الثانية.

ويُنتخب الرئيس الفرنسي عبر نظام من جولتين، حيث يتأهل المرشحان الحاصلان على أكبر عدد من الأصوات في الجولة الأولى إلى جولة الإعادة.

وقد بدأ الطرفان بالفعل في تبادل الهجمات عبر الإنترنت حول الاقتصاد ومفهوم "فرنسا الجديدة" الذي يطرحه اليسار، والذي يقول اليمين المتطرف إنه يضع جيلاً جديداً، يضم الكثير من أبناء المهاجرين، في مواجهة الفرنسيين ذوي الجذور الأقدم.

قلق في اليسار المعتدل

ودق صعود ميلونشون أجراس الإنذار داخل اليسار المعتدل، إذ يُنظر إليه على أنه غير قادر تقريباً على هزيمة اليمين المتطرف.

فقد أظهرت استطلاعات الرأي أن بارديلا قد يحصل على أكثر من 70% من الأصوات إذا واجه ميلونشون في الجولة الثانية. وأظهر استطلاع تولونا-هاريس الأخير أن بارديلا سيفوز بنسبة 68% مقابل 32% لميلونشون، لكن أحزاب يسار الوسط تبدو أبعد ما تكون عن توحيد صفوفها.

ففي الشهر الماضي، كاد الحزب الاشتراكي أن ينقسم عندما غادر ثلث قياداته بسبب الخلافات بين رئيس الحزب أوليفييه فور وحليفه البارز بوريس فالو.

كما حاول النائب الأوروبي رافائيل جلوكسمان، أحد أبرز المرشحين المحتملين لليسار، اكتساب زخم سياسي، الأسبوع الماضي، من خلال إطلاق كتاب جديد وإجراء مقابلات إعلامية متعددة، لكنه تضرر بسبب الشكوك حول قدراته الانتخابية وتسريب مذكرة داخلية أشارت إلى ضرورة تجنب استهداف الناخبين الفقراء.

ويرى المحلل السياسي برونو كوتريس أن ميلونشون، رغم كونه شخصية مثيرة للانقسام، يمتلك قدرة على جذب جمهور أوسع، وقال: "يحبه أنصار اليسار لأنه حاد الطباع ولا يقدم تنازلات للرأسمالية، لكن هناك جوانب أخرى في شخصيته؛ فهو ملم بالتاريخ وقادر على رؤية الصورة الأكبر".

في انتخابات 2022 الرئاسية، حصل ميلونشون على نحو 22% من أصوات الجولة الأولى، وهي نسبة قد تكون كافية جداً للمنافسة اليوم.

وفي أحدث استطلاع لأودوكسا، جاء بارديلا في الصدارة بنسبة 32%، بينما حصل إدوار فيليب على 17%، وميلونشون على 16%.

وتكمن مشكلة فيليب في أن جزءاً كبيراً من جهوده يذهب لمواجهة منافسين آخرين داخل معسكره، مثل برونو ريتايو، زعيم حزب الجمهوريين المحافظ، وجابرييل أتال الذي أعلن الشهر الماضي رسمياً ترشحه للانتخابات.