تقرير دولي: تشاد تنزلق الى دائرة الحرب السودانية
بحسب تقرير حديث صادر عن مجموعة الأزمات الدولية، فإن شرق تشاد ينزلق تدريجياً إلى دائرة الحرب السودانية، وسط تصاعد العنف الحدودي، وتفاقم التوترات المجتمعية، واهتزاز التوازنات داخل النخبة الحاكمة والمؤسسة العسكرية في نجامينا.
ويرى التقرير أن الحرب الدائرة في السودان منذ أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع دفعت بأكثر من مليون لاجئ سوداني إلى شرق تشاد، وهي منطقة تعاني أساساً من هشاشة الموارد وضعف البنية الخدمية، ما فاقم الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والأمنية على المجتمعات المحلية.
ومع تزايد تداعيات الحرب، تحوّل الشريط الحدودي، لا سيما في منطقة “وادي فيرا” ومحيط بلدة الطينة (التشادية)، إلى ساحة مفتوحة للاشتباكات العابرة للحدود والضربات الجوية والتوترات الإثنية، خصوصاً بين الزغاوة والتامة، وهما جماعتان ترتبطان بامتدادات سياسية وعسكرية داخل السودان.
وفي مؤشر على تصاعد المخاطر الأمنية، شهدت بلدة الطينة الحدودية سلسلة من الهجمات خلال الأشهر الماضية؛ إذ تعرّضت مواقع للجيش التشادي في 21 فبراير لهجوم نُسب إلى عناصر يُعتقد ارتباطها بالدعم السريع، ما أسفر عن مقتل ما لا يقل عن عشرة أشخاص، معظمهم من الجنود. كما استهدفت طائرة مسيّرة قادمة من الأراضي السودانية البلدة في 18 مارس، ما أدى إلى سقوط نحو عشرين مدنياً، قبل أن تتكرر الضربات في 7 مايو بمنطقة “أوندور” قرب الطينة، مخلفة ثلاثة قتلى مدنيين. ووفقاً لمنظمة أطباء بلا حدود، جرى علاج 457 مصاباً في الطينة بين فبراير وأبريل، بما يعكس وتيرة العنف وحدّته خلال فترة زمنية قصيرة.
التوتر لم يبقَ محصوراً في الجانب الأمني، بل امتد إلى النزاعات المجتمعية العابرة للحدود. ففي 25 أبريل، تحوّل خلاف على بئر مياه في منطقة “إيغوت” القريبة من الحدود إلى مواجهات دامية بين الزغاوة والتامة، أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 42 شخصاً، إلى جانب إحراق قرى وتلويث مصادر المياه، في مشهد يعكس تداخل الصراع على الموارد مع الاصطفافات الإثنية والسياسية المرتبطة بالحرب السودانية.
أمام هذا المشهد، تحرك الرئيس التشادي محمد إدريس ديبي عبر إغلاق الحدود مع السودان في فبراير، وإرسال تعزيزات عسكرية إلى الشرق، مع التعهد بنزع سلاح المدنيين. كما زار مناطق التوتر عقب أحداث إيغوت، رابطاً علناً بين العنف المحلي والحرب السودانية، وظهر مرتدياً الزي العسكري وحاملاً عصا «المارشال» المرتبطة بوالده الراحل إدريس ديبي إتنو، في رسالة رمزية هدفت إلى ترسيخ صورته كقائد عسكري قادر على احتواء الأزمة.
لكن التحديات الأمنية لا تقتصر على الشرق فقط؛ إذ يواجه الجيش التشادي ضغوطاً متزامنة في الغرب مع عودة نشاط جماعة بوكو حرام في حوض بحيرة تشاد. ففي 4 مايو، أسفر هجوم نفذته الجماعة على موقع عسكري تشادي في جزيرة “باركا تولوروم” عن مقتل 23 جندياً، ما دفع نجامينا إلى تنفيذ رد عسكري واسع، في مؤشر على تشتت قدرات الجيش بين جبهات متعددة.
ويشير التقرير إلى أن الحرب السودانية تُعمّق كذلك الانقسامات داخل النخبة الحاكمة والجيش، خاصة في ظل شعور متزايد بالغضب وسط الزغاوة، الذين ينتمي إليهم آل ديبي، نتيجة استهداف الدعم السريع وحلفائه لمناطق نفوذهم في دارفور. وفي المقابل، تحافظ نجامينا على علاقات مالية وثيقة مع الإمارات العربية المتحدة، رغم الاتهامات المتكررة لأبوظبي بتقديم دعم عسكري للدعم السريع عبر الأراضي التشادية، وهي اتهامات تنفيها الحكومتان التشادية والإماراتية.
هذا التناقض بين الشراكة الخارجية مع الإمارات، وبين الضغوط المتزايدة من القاعدة الاجتماعية والعسكرية الزغاوية، يُنتج حالة احتقان داخل أوساط الجيش والنخبة الحاكمة، لا سيما بعد التطورات الميدانية في دارفور.
ويضيف التقرير أن سيطرة الدعم السريع على مدينة الفاشر في أكتوبر 2025، وسط تقارير عن انتهاكات واسعة، أسهمت في تصاعد مشاعر السخط الزغاوي، ومنحت زخماً لحركات التمرد والدفاع الذاتي، بما في ذلك مجموعات مسلحة ومنشقون عن الجيش التشادي باتوا يقاتلون على طول الحدود السودانية–التشادية.
وفي محاولة لاحتواء التوترات، انتهج ديبي سياسة توازن دقيقة؛ إذ سعى إلى طمأنة الزغاوة عبر ترقية عدد من ضباطهم داخل الجيش، وفي الوقت نفسه حافظ على التواصل مع قيادات التامة وغيرها من الأطراف المرتبطة بالدعم السريع، دون التفريط في شراكته الإقليمية مع الإمارات.
ويخلص تقرير مجموعة الأزمات الدولية إلى أن استمرار الحرب في السودان، بالتوازي مع تصاعد العنف شرق تشاد وتزايد انخراط الفاعلين المسلحين المحليين، يضع إدارة ديبي أمام معضلة استراتيجية معقدة؛ فكلما طال أمد الحرب السودانية، ازدادت صعوبة التوفيق بين الولاءات الداخلية، وضبط الأمن على جبهتين شرقية وغربية، والحفاظ على شبكة التحالفات الإقليمية، بما يرفع احتمالات انتقال الصراع السوداني إلى الداخل التشادي بصورة أعمق وأكثر خطورة.