عادل عسوم يكتب...الإدهاش الرابع في ليلة القدر 

مارس 7, 2026 - 10:49
 0  5
عادل عسوم يكتب...الإدهاش الرابع في ليلة القدر 



خواطر رمضانية (1447)

30/18

يقول الله تعالى:

{تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ} القدر 4.

إنه مهرجان كوني مذهل...

من حيث اللغة، فإن أصل (تَنَزَّلُ) هو تتنزل، حذفت إحدى التاءين اختصارا، والتَّنَزُّل: بالتشديد دليل على الكثرة؛ فالزيادة في المبنى تدل على الزيادة في المعنى.

تخيلوا يا أحباب كل السوح والفضاءات امام ناظرينا -وعلى مد البصر- محتشدة بملائكة تتنزل من السماء...

لعمري إنه مشهد يقف له شعر الرأس لهيبته وعظمته...

وهذا التنزل الكثيف للملائكة أحسبه -والله الحسيب- مشهد مصغر لما تصفه هذه الآية العظيمة من سورة البقرة يوم القيامة:

{هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ ۚ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ} البقرة 210

وكذلك الحال عند وقوف الحجاج في عرفات حيث ينزل الله تعالى نزولا يليق بجلاله في ظلل من الملائكة، فكلها أيام وضيئات، وليلة القدر شئ من ذلك لكونها اتصال مشهود بين الأرض والملأ الأعلى...

كيف لا، وهي الليلة التي بدأ فيها نزول القرآن الكريم، إنه حدث عظيم لم يشهد الكون مثله في عظمته ودلالته وآثاره على حياة البشرية والجن أجمعين، فإن انزل الله كتبا من قبل؛ فإنها ماكانت لهداية الناس جميعا كما هو الحال بهذا الكتاب الخاتم...

وبذلك فإن عظمة هذه الليلة لا يحيط بها إدراك مخلوق: 

{وما أدراك ما ليلة القدر}...

إنها ليلة لها وصل بنور الله المشرق في قرآنه، نور يتبعه ويتداخل معه نور الملائكة وهم يتنزلون طوال هذه الليلة العظيمة إلى أن تستبين للناس الخيوط البيض من الفجر:

{تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر، سلام هي حتى مطلع الفجر}...

ليلة يكتنفها ويخيم عليها السلام على خلق الله أجمعين...

وهنا ينبري سؤال:

ياترى لماذا كل هذه الأعداد الغفيرة من الملائكة؟!

إن قول الله تعالى (بِإِذْنِ رَبِّهِمْ) والمرتبط بـ (تَنَزَّل) يدل على أنهم نازلون لأداء واجبات بعينها، إنهم المدبرات أمرا، انهم الموكلون بالخلق، أما (الروح) فهو جبريل عليه السلام،

ويمكننا أن ندرك طرفاً من مغزى هذه الإشارة القرآنية إلى تلك الليلة وماتفعله الملائكة فيها في ثنايا قول الله تعالى: {وما أدراك ما ليلة القدر}...

إنها ليلة يفرق فيها كل أمر حكيم!...

ليلة فيها يتم تسجيل أقدار لله جديدة بغير الأقدار السابقة المسجلة في على العباد كما أوضحت في الخاطرة الأولى، أقدار لأفراد، وأقدار لأمم، وأقدار لدول، وأقدار لشعوب، أقدار لحقائق وأوضاع جديدة وقلوب وأرواح...

إن قول الله تعالى: (بِإِذْنِ رَبِّهِمْ) يعني أن هذا التنزل كرامة أكرم الله بها المسلمين بأن أنزل لهم في تلك الليلة حشود من ملائكته وفيهم أشرفهم، وكان نزول جبريل في تلك الليلة ليعود عليها من الفضل مثل الذي حصل في مماثلتها الأولى ليلة نزوله بالوحي في يوم نزول القرآن كاملا في السماء أو حين نزول أول آية منه على نبينا صلى الله عليه وسلم في غار حراء...

ثم إن التعبير بالفعل المضارع في قوله تعالى {تنزل الملائكة} مؤذن بأن هذا التنزل متكرر في الحاضر والمستقبل بعد نزول هذه السورة، ومعلوم أن ليلة القدر التي ابتدأ فيها نزول القرآن -إن كان كاملا في في السماء، أو بنزول أول آية منه على رسول الله صلى الله عليه وسلم في غار حراء- فإن الله قادر بأن يجعل الاحتفاء بهذه الليلة العظيمة كائن في الحاليين معا، وفي ذلك فإني أركن إلى الذي جاء به ابن تيمية رحمه الله حيث قال:

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله

"فإن كونه -أي القرآن- مكتوباً في اللوح المحفوظ وفي صحف مطهرة بأيدي الملائكة لا ينافي أن يكون جبريل نزل به من الله سواء كتبه الله قبل أن يرسل به جبريل أو بعد ذلك وإذا كان قد أنزله مكتوبا إلى بيت العزة جملة واحدة في ليلة القدر فقد كتبه كله قبل أن ينزله ... ومن قال إن جبريل أخذ القرآن من الكتاب لم يسمعه من الله كان هذا باطلا من وجوه - وساقها - " انتهى 

من " مجموع الفتاوى " (12 / 127 ، 128).

ولولا إرادة التعريف بفضل الليالي الموافقة لها في كل السنوات؛ لاقتُصر على بيان فضل تلك الليلة الأولى ولما كانت حاجة إلى تنزّل الملائكة فيها، ولا إلى تعيين منتهاها، ثم هناك الحديث الصحيح الذي ورد بكون أن الملائكة تتنزل في ليلة القدر وتصافح المسلمين في المساجد مرهون بتنزل القرآن إلى الأرض، وما كان ذلك ليحدث يوم ان كتب الله القرآن في اللوح المحفوظ أو أنزله في السماء، وهذا شاهدي في الأمر والله أعلم.

وقد يكون الأمر موصول بالحالين، حال تزول القرآن جملة -بكونه الأصل- حال ابتدار نزول القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم -وهو الفرع- حيث يتوافق زمن حدوث الأصل مع زمن حدوث الفرع في ليلة واحدة أسماها الله ليلة القدر، والله أعلم

وكل ذلك تعليم وحث للمسلمين بأن يعظموا فضل هذه الليلة المباركة، وهو مماثل لما شرع الله لموسى من تفضيل لبعض الأيام التي توافق أياماً حصلت فيها نعم عظمى من الله على موسى عليه السلام، قال الله تعالى: {وذكرهم بأيام اللَّه} ابراهيم 5

اللهم أجعلني ومن قرأ ممن يدركون ليلة القدر وينالون فضلها، انك ياربي ولي ذلك والقادر عليه.

وإلى اللقاء في خاطرة اليوم التاسع عشر ان شاء الله.

آمنت بالله.

adilassoom@gmail.com