د. لؤي عبد المنعم يكتب..قراءة هادئة في بعض أطروحات الشيخ صالح المغامسي وموقعها في مسار التجديد الفقهي

فبراير 23, 2026 - 21:58
 0  20
د. لؤي عبد المنعم يكتب..قراءة هادئة في بعض أطروحات الشيخ صالح المغامسي وموقعها في مسار التجديد الفقهي



تأتي هذه القراءة الهادئة لعدد من أطروحات الشيخ د. صالح المغامسي، وهي أطروحات أثارت اهتماما واسعا، لا لأنها جديدة في ذاتها، بل لأنها طرحت في بيئة اعتادت نمطا واحدا من الخطاب الديني. وعند وضعها في سياقها الأوسع، تبدو امتدادا لمسار إصلاحي طويل أسهم فيه علماء كبار، من أمثال الشيخ العلامة د. يوسف القرضاوي، والشيخ العلامة د. محمد أبو زهرة رحمهما الله، والشيخ العلامة د. عصام أحمد البشر، أحد أبرز رموز الوسطية المعاصرة.

أولا: دعوته إلى التقريب بين السنة والشيعة والإباضية

ملخص ما يراه الشيخ د. المغامسي أن الأمة بحاجة إلى خطاب يخفف التوتر بين طوائفها، ويستند إلى المشتركات الكبرى في العقيدة والقبلة والكتاب والسنة. وفي هذا الإطار تحدث عن ازمة التشدد الفقهي (انتقاء الفتاوى) كمرحلة أعقبت نجاح الصحوة في إصلاح حياة الناس، مما أدى إلى ظهور موجات العنف والتطرف التي عانت منها المنطقة، واستغلت من قبل أعداء الأمة للتخويف من الاسلام والتفريق بين المسلمين. وأن الإسلام أكبر من أي جماعة إسلامية سنية أو شيعية جامدة فكريا تسعى للوصول للسلطة باي وسيلة كانت. وأن الاختلاف السياسي يجب أن لا يتحول إلى صراع مذهبي.. وأن منهج التيسير والوسطية هو فقه يشجع للعودة للدين أكثر من التشدد الذي يأتي بنتائج عكسية. 

و الدعوة الى التجديد ليست جديدة، فقد حملها رواد الإصلاح منذ منتصف القرن الثامن عشر مع دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، الذي نسب إليه ظلما التشدد الديني، كما نسب إلى الإمام ابن تيمية، خلاف ما تقرره نصوصهما، ثم مع بدايات النهضة الفكرية في القرن التاسع عشر على يد رفاعة الطهطاوي، مرورا بمراجعات الشيخ جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده، وصولا إلى مشاريع التجديد والوسطية التي واكبها علماء معاصرون، وفي مقدمتهم الشيخ د. عصام أحمد البشر بخطابه الوسطي الجامع.

وتزداد أهمية هذا التوجه في ظل ما تواجهه الأمة من استهداف لمواردها ومشاريع تفتيت تهدد وحدتها، مما يجعل جمع كلمة أهل القبلة ضرورة ملحة. وفي هذا السياق، جاء اختيار الشيخ صالح المغامسي إماما وخطيبا في المسجد النبوي من قبل صاحب السمو ولي عهد المملكة الأمير محمد بن سلمان ليعكس ثقة رفيعة ونظرة ثاقبة، ويؤكد الحاجة إلى خطاب يوازن بين الثبات والاعتدال، ويخدم وحدة الصف في مرحلة دقيقة من تاريخ المنطقة.

ثانيا: فكرة (مذهب فقهي جديد)

أثارت هذه الفكرة نقاشا واسعا، رغم أن الشيخ د. المغامسي لم يطرح نفسه مؤسسا لمذهب جديد، بل دعا إلى مراجعة الفقه وفتح الباب أمام اجتهاد جماعي يستجيب لمتغيرات العصر، ويرجوا ان يكون له سهم في هذا البناء.  

وشروط إنشاء مذهب فقهي (من اجتهاد تراكمي واسع، وأصول منهجية راسخة في علم الحديث، ومدرسة علمية) ليست عملا فرديا، وهو أمر لم يدعي كمال بلوغه. فتأسيس مذهب فقهي جديد يستوجب توفر الاركان الاربعة مجتمعة لا متفرقة:

-أن يكون العالم قادرا على استنباط الأحكام مباشرة من القرآن والسنة  

- دون تقليد مذهب سابق  

- مع امتلاك أدوات الاجتهاد كاملة: اللغة، الأصول، المقاصد، الناسخ والمنسوخ، أسباب النزول، قواعد الترجيح… إلخ  

- وأن يكون قادرا على وضع أصول منهجية يسير عليها هو ومن بعده

أما الفكرة في أصلها، فهي امتداد لجهود إصلاحية سابقة، فقد دعا الشيخ يوسف القرضاوي رحمه الله كما جاء في كتابه مدخل لدراسة الشريعة الإسلامية (ص 102) إلى فقه يقوم على تحقيق المصالح ورفع الحرج، وأكد في الاجتهاد في الشريعة الإسلامية (ص 85) ضرورة فهم الواقع وتنزيل الأحكام عليه. وبين الشيخ د. محمد أبو زهرة رحمه الله في تاريخ المذاهب الإسلامية (ص 14) والاجتهاد والتقليد (ص 51) قدرة الفقه الإسلامي على التطور وضرورة تجديد الاجتهاد. أما الشيخ د. عصام أحمد البشر، فقد قدم في محاضرته (فقه تطبيق الوسطية في عالمنا المعاصر - مؤتمر الإصلاح السابع بالبحرين، 2016) رؤية واضحة لتجديد الفقه، مؤكدا أن التجديد والاجتهاد (فريضة شرعية وضرورة واقعية)، وأن الفقه الراشد يقوم على التمييز بين الثابت والمتغير، وربط النص بمقاصده، وتنزيله على واقع الناس المتجدد. كما شدد على أن الارتباط بالأصل لا يناقض الاتصال بالعصر، وأن التعامل مع التراث يجب أن يكون بميزان العدل لا تقديسا يغلق باب الاجتهاد، ولا تبخيسا يقطع الصلة بالجذور.

وفي هذا الإطار، تبدو دعوة الشيخ د. المغامسي امتدادا لهذا المسار، لا خروجا عليه.

ثالثا: رأيه في المعازف

رأي الشيخ د. المغامسي في جواز الموسيقى بضوابط ليس جديدا في الفقه الإسلامي، فالخلاف حول الغناء والمعازف قديم، وقد قال بالتخفيف أو الجواز عدد من العلماء عبر القرون.  

كما تناول علماء الوسطية ومنهم الشيخ د. عصام أحمد البشر هذه المسألة بروح تراعي المقاصد، وتفرق بين اللهو المحرم والفنون الراقية التي ترتقي بالذوق والوجدان.

وما بدا مستغربا للبعض إنما هو صدور هذا الرأي من شخصية سلفية هادئة، لا لأنه قول غير مسبوق.

رابعا: الخلاف حول مسألة الذبيح إسحاق أم إسماعيل؟

يميل الشيخ د. المغامسي إلى أن الذبيح هو إسحاق، وهو قول أشهر عند أهل الكتاب واخذ به بعض السلف.  

لكن جمهور العلماء رجحوا أن الذبيح هو إسماعيل، استنادا إلى سياق الآيات وأقوال عدد من الصحابة والتابعين.

وأجد نفسي متبعا لهذا الرأي الراجح، لا تعصبا ولا تشددا، بل لأنه الأقرب إلى ما أراه دليلا.  

ومع ذلك، يظل الخلاف في هذه المسألة اختلافا علميا لا يمس الاحترام ولا يغير من تقدير الاجتهاد.

بهذه القراءة الموجزة يتضح أن أطروحات الشيخ د. صالح المغامسي تتحرك داخل إطار إصلاحي واسع، وأنها تسعى إلى خطاب يجمع ولا يفرق، في زمن تتكاثر فيه التحديات وتشتد الحاجة إلى الحكمة والاعتدال. ويبقى الاجتهاد بابا رحبا تتعدد فيه الآراء، ويطلب فيه الحق بما يغلب على الظن من الدليل، كما قرر الشاطبي في الموافقات (كتاب الاجتهاد، الجزء الخامس) أن الاجتهاد لا يثمر اليقين، وإنما يثمر غلبة الظن، وأن هذا هو القدر المعتبر شرعا والمعتمد عند الأصوليين في استنباط الأحكام.

https://www.facebook.com/share/p/18KYAnWUTh/