عادل عسوم يكتب...الإدهاش السادس لليلة القدر 

مارس 9, 2026 - 15:21
 0  5
عادل عسوم يكتب...الإدهاش السادس لليلة القدر 



خواطر رمضانية (1447)

30/20 

{سَلَامٌ هِيَ حَتَّىٰ مَطْلَعِ الْفَجْرِ}

ظللت لسنوات عديدة اتوقف بين يدي الآية الكريمة اعلاه، وبجانب الاحتفاء بالسلام الذي وصف به الله تعالى ليلة القدر؛ تحضرني آية أخرى توثق وصف الملائكة لطبيعة البشر:

{وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} البقرة30.

وإليكم العلاقة والرابط بين الآيتين الكريمتين:

إن لفظ السلام في أصل اللغة يدل على الصحة والعافية، والسلامة، أي أن يسلم الإنسان من العاهة والأذى. 

ومن أسماء الله تعالى السلام لسلامته جل في علاه مما يلحق المخلوقين من العيب والنقص والفناء. 

ومن لفظ السلام أيضاً اشتق لفظ الإسلام، وهو الانقياد، لأنه يسلم من الإباء والامتناع.

ولفظ السلام ورد في القرآن الكريم على سبع معان رئيسة: 

1-اسم من أسماء الله.

 2-الإسلام.

3- التحية المعروفة.

4- السلامة من الشر.

5- الثناء الحسن.

6- الخير.

7- خلوص الشيء من كل شائبة. 

ومن أقوال المفسرين عن مفردة السلام بناء على ورودها في آية سورة القدر، قالوا:

قوله تعالى سلام هي حتى مطلع الفجر قيل: إن تمام الكلام من كل أمر ثم قال سلام.

روي ذلك عن نافع وغيره، أي ليلة القدر سلامة وخير كلها لا شر فيها.

حتى مطلع الفجر أي إلى طلوع الفجر.

قال الضحاك: لا يقدر الله في تلك الليلة إلا السلامة، وفي سائر الليالي يقضي بالبلايا والسلامة. وقيل: أي هي سلام، أي ذات سلامة من أن يؤثر فيها شيطان في مؤمن ومؤمنة.

وكذا قال مجاهد: هي ليلة سالمة، لا يستطيع الشيطان أن يعمل فيها سوءا ولا أذى.

وروي مرفوعا.

وقال الشعبي: هو تسليم الملائكة على أهل المساجد، من حين تغيب الشمس إلى أن يطلع الفجر، يمرون على كل مؤمن ويقولون: السلام عليك أيها المؤمن.

وقيل: يعني سلام الملائكة بعضهم على بعض فيها.

وقال قتادة: سلام هي (أي، خير هي).

حتى مطلع الفجر أي إلى مطلع الفجر.

انتهى.

التفاسير تتحدث عن مفردة سلام بكونها وصف لما يحدث في ليلة القدر.

لكن دعونا نعيد قراءة الآية مرة أخرى:

{سَلَامٌ هِيَ حَتَّىٰ مَطْلَعِ الْفَجْرِ}.

إن اعراب كلمات الآية تفيد بأن السلام يعني ليلة القدر (في ذاتها)، وليس الأمر وصف لمايحدث فيها:

﴿سَلَامٌ﴾: خَبَرٌ مُقَدَّمٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.

﴿هِيَ﴾: ضَمِيرٌ مُنْفَصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ.

(سلام هي)

أي هي -ليلة القدر- سلام.

يعني ذلك أن ليلة القدر سلام في ذاتها وليس في صفتها فقط، أي انها سلام (في عضمها) كما تقول دارجتنا، والحرص على التأكيد بلفظة (هي) تجعل المتدبر يقف مليا، فهذه الليلة (تتلبس) المؤمن الذي يدرك ليلة القدر ب(سلام) يتسرب إلى قلبه ووجدانه طوال عمره ودهره (ألف شهر)، وبذلك يصبح الذي يدرك ليلة القدر ويشهدها كالذي يتم شق وشرح صدره، فيتغشى السلام قلبه ووجدانه وكل خلية من خلاياه، لينزع عنه الوصف الذي وصف به الملائكة البشر من افساد في الأرض وسفك للدماء، وتغرس فيه صفات السلام التي ذكرها المفسرون، وكإني بالزمان يعود إلى لحظة {اني جاعل في الأرض خليفة} ثم رد الملائكة ووصفهم لطبيعة البشر المجانبة للسلام، وكذلك لحظة خطيئة أبو البشر آدم عليه السلام عندما أكل من الشجرة ثم ندم وقال (اللهم انك عفو تحب العفو فاعف عني)، وهنا ينبري السؤال:

{وما أدراك ماليلة القدر}؟!

 والله أعلم.

اللهم أكرمنا بإدراك وشهود ليلة القدر، وهبنا خيرها وحقق لنا كل مراد، اللهم انت السلام ومنك السلام فأشرب قلوبنا بسلامها وسلامك ماحيينا، اللهم أكلأنا -ومن نعول وتعول- بعينك التي لاتنام، اللهم انك عفو تحب العفو فاعف عنا، انك ياربي ولي ذلك والقادر عليه.

وإلى اللقاء ان شاء الله في خاطرة اليوم ال21.

آمنت بالله.

adilassoom@gmail.com